من التكليف إلى التمكين: كيف يصنع الاستقرار الإداري نهضة التعليم الرسمي؟
د.حسين محمد سعد – نقابي وباحث تربوي
في لحظة فارقة تشهدها منظومة التعليم في لبنان، تحول تكريم المدراء المعيين بالاصالة إلى إعلان قيامة جديدة للمدرسة الرسمية. برعاية وحضور وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، توّج 626 مديرًا ومديرة لمدارس وثانويات رسمية ودور معلمين رحلة إعداد مكثفة في كلية التربية بالجامعة اللبنانية، بنيلهم التعيين بالأصالة. لم تكن هذه المناسبة مجرد احتفالية بتوزيع الشهادات، بل كانت طيًّا لصفحة طويلة من الشغور و”التكليف” المنهك، وإيذانًا بانتقال حقيقي من مفهوم الإدارة الروتينية العابرة إلى فضاء القيادة التربوية الواعية القادرة على صناعة الفارق وبناء المستقبل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يُترجم هذا الاستقرار الإداري على أرض الواقع التعليمي؟ وما هي المرتكزات التي تجعل من التعيين بالأصالة نقطة تحول حقيقية بدلاً من أن يكون مجرد إجراء إداري شكلي؟
للإجابة عن ذلك، يستعرض هذا التحليل أبعاد هذا القرار الإصلاحي من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: الأثر المباشر للتعيين بالأصالة على الأداء التنظيمي للمدرسة الثانوية
يُمثّل التعيين بالأصالة تحولاً بنيوياً في النمط الإداري للمؤسسة التعليمية، حيث ينقلها من «إدارة الأزمات المؤقتة» إلى «القيادة الاستراتيجية». وتتحدد الآثار الأكاديمية والتنظيمية لهذا التعيين في النقاط التالية:
1. يُعزز الأمان الوظيفي من حالة الاطمئنان النفسي والمهني لدى الإدارة، مما يمنح المدير الشرعية التنفيذية والصلاحيات القانونية اللازمة لصياغة وتنفيذ خطط استراتيجية متوسطة وطويلة المدى، بدلاً من الاقتصار على الحلول المؤقتة.
2. إن الاعتماد على برامج التأهيل الأكاديمي والمعايير الشفافة في التعيين يحد من ظاهرة التعيينات القائمة على المحسوبية الإدارية، مما يكفل إسناد المناصب القيادية وفق كفايات مثبتة، ويُعزز النزاهة والموضوعية داخل المدرسة.
3. يُسهم وجود قيادة مثبتة ومؤهلة علمياً في رفع درجة ثقة المجتمع المحلي والأهالي بكفاءة المدرسة الرسمية، مما يُعيد استقطاب الطلاب ويُعزز القيمة المجتمعية للمدرسة الرسمية.
ثانياً: المحددات والاشتراطات الهيكلية للنهوض المؤسسي المباشر
التمكين الإداري شرطٌ ضروري ولكنه غير كافٍ لتحقيق النهوض الشامل؛ إذ تتطلب العملية التربوية توفير بيئة تمكينية ترتكز على الخبراء والموارد التالية:
• تزويد المدارس بموازنات تشغيلية منتظمة وتحديث الموارد الرقمية والتكنولوجية لدعم التحول الرقمي وتطبيق المناهج الحديثة.
• منح الإدارات المدرسية هامشاً حراً من الاستقلالية الإدارية لملائمة القرار مع احتياجات البيئة المحلية، ضمن إطار عام من الشفافية والمساءلة.
• مأسسة الدعم الإداري من خلال إنشاء وحدات متخصصة (مثل وحدة دعم المديرين) لتقديم الاستشارات الفنية والمهنية ومساندة الإدارة أثناء الأزمات.
• تطبيق نظام التقييم المؤسسي الشامل والدوري (كل 3 إلى 5 سنوات)، والذي يهدف إلى التعلم التنظيمي وتشخيص مكامن القوة والضعف لغرض التحسين والتطوير المستمر، بعيداً عن أسلوب الرقابة العقابية.
• استكمال عمليات البنية التحتية والترميم في المدارس المتضررة من الأزمات أو الحروب، مع ضمان العدالة التكافؤية وحق المقعد الدراسي لجميع المتعلمين.
ثالثاً: التطوير المهني المستمر ومدخل التنمية المستدامة في الإدارة التربوية
إن الأدبيات التربوية الحديثة تُشير إلى أن القيادة المدرسية عملية ديناميكية مستمرة، ترتبط كفاءتها بمفهوم «التعلم مدى الحياة» والتنمية المستدامة من خلال:
1. تنمية مهارات القيادة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التربوية لضمان مواكبة التسارع التقني ورفع تنافسية المدرسة الرسمية.
2. تأهيل القيادات المدرسية لمواجهة الأزمات وتحويل المدرسة إلى بيئة دعم نفسي واجتماعي آمنة، قادرة على التكيف مع الصدمات الخارجية والظروف الاستثنائية.
3. ينعكس تدريب المدراء وتطوير كفاياتهم القيادية إيجاباً على أداء الكادر التعليمي عبر التوجيه والمتابعة، مما ينعكس بدوره على تحسين المخرجات التعلمية ومستويات تحصيل الطلاب.
4. توفر البرامج التدريبية منصات للتشبيك والتبادل المعرفي بين المدراء، مما يُتيح نقل التجارب والممارسات الفضلى وتعميمها بين مختلف الثانويات والمدارس الرسمية.
ختاماً، إن تثبيت هؤلاء القادة التربويين ليس مجرد حفل تكريم أو إجراء إداري، بل هو إعلان عن بداية مرحلة جديدة تُعيد للمدرسة الرسمية اعتبارها ودورها الوطني. فالاستثمار في القيادة المدرسية هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل أجيال لبنان؛ ومتى تضافرت جهود الوزارة والدعم المستمر مع عزيمة هؤلاء المدراء، ستظل المدرسة الرسمية الحصن المنيع للتربية، والمساحة الآمنة التي تُصنع فيها فرص الغد وأمل الوطن.
