من الشغب إلى صناديق الاقتراع: كيف يوظف اليمين المتطرف الفرنسي الأحداث في معركة الرئاسة عام 2027؟
بقلم: د. محمد موسى عيسى
ليست أعمال الشغب في فرنسا مجرد أحداث أمنية عابرة، بل قد تتحول إلى محطة في صراع سياسي أوسع حول هوية الدولة ومستقبلها الاجتماعي. فحين تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع قضايا الهجرة والأمن والتجنيس، يصبح الشارع مجالًا للاحتجاج، فيما تتحول وسائل الإعلام إلى ساحة لتفسير الأحداث وتوجيه النقاش العام، وتجد الأحزاب السياسية في هذه التطورات فرصة للدفاع عن برامجها وتوسيع قاعدتها الشعبية، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، تبرز مسألة أساسية: هل يمكن أن تتحول مشاهد العنف والتخريب إلى ورقة انتخابية تعزز خطاب اليمين المناهض للهجرة؟
قد تنطلق الاحتجاجات بسبب غلاء المعيشة، أو تراجع الخدمات العامة، أو مشكلات التعليم، ثم تتصدر مشاهد التخريب والاشتباكات التغطية الإعلامية. وعندها قد ينتقل النقاش من الأسباب الاجتماعية للأزمة إلى قضايا الأمن والهجرة والاندماج
هذا الانتقال ليس بالضرورة نتيجة خطة منظمة، فقد يكون انعكاسًا لخطورة الأحداث أو لطبيعة التغطية الإعلامية. لكنه يتيح للأحزاب التي تضع الأمن والهجرة في صدارة برامجها إعادة طرح مواقفها بوصفها حلولًا للأزمة
وهنا تبرز أهمية مفهوم التأطير الإعلامي: فالحدث الواحد يمكن تقديمه باعتباره دليلًا على أزمة اجتماعية تحتاج إلى إصلاح، أو مؤشرًا على ضعف النظام الأمني، أو نتيجة لمشكلات الاندماج. ويؤثر اختيار الإطار التفسيري في القضايا التي تحظى باهتمام الجمهور، وفي الجهات التي يحمّلها المسؤولية
هنا يكمُن حزب اليمين الفرنسي لإستثمار اللحظة بجعل التجمع الوطني المرتبط بمارين لوبان، وجوردان بارديلا، قضايا الهجرة والهوية الوطنية والأمن محاور أساسية في خطابه السياسي. ومن الطبيعي، في سياق المنافسة الانتخابية، أن يسعى الحزب إلى استخدام الأحداث التي تتقاطع مع هذه القضايا لتأكيد مواقفه والدفاع عن تشديد بعض السياسات المتعلقة بالهجرة والتجنيس
لكن ينبغي التمييز بين الاستفادة السياسية من حدث ما وبين التسبب فيه أو تدبيره. فإعادة نشر مقاطع الشغب وتوظيفها في خطاب انتخابي لا تثبت أن الجهة المستفيدة نظمت أعمال العنف، كما أن الاتهامات المتعلقة بهوية مرتكبيها لا تصبح حقائق بمجرد تكرارها
وتكمن المسألة الأكثر أهمية في مدى دقة الربط بين العنف والهجرة، وفي ما إذا كانت المطالب السياسية المطروحة تستند إلى بيانات تثبت علاقتها بالمشكلة المراد معالجتها
يتطلب النقاش الفرنسي تمييزًا قانونيًا واجتماعيًا دقيقًا بين الأجنبي والمهاجر والمواطن الفرنسي من أصول مهاجرة. فالأصل العائلي لا يحدد الجنسية الحالية، وكثير من الفرنسيين المنحدرين من عائلات مهاجرة يحملون الجنسية الفرنسية بالولادة
لذلك، فإن إسناد أعمال الشغب إلى المهاجرين عمومًا، من دون بيانات موثوقة عن الموقوفين وظروف الوقائع، يمثل تعميمًا لا يفي بالمعايير العلمية. وفي المقابل، فإن تجاهل أي صلة محتملة بين عوامل اجتماعية أو مشكلات اندماج محددة وبعض أشكال العنف لن يكون منهجًا علميًا أيضًا. المطلوب هو فحص الأدلة، لا تبني استنتاجات مسبقة
أما عن دور الإعلام وصناعة الخوف لتوجيه البوصلة الى الاتجاه الذي يخدم اليمين المتطرف، ولعلمه بمدى تمتع الصور العنيفة بقدرة كبيرة على جذب الانتباه، خصوصًا عندما تنتشر عبر المنصات الرقمية من دون سياق واضح. وقد يؤدي تكرارها، مقرونًا بخطاب سياسي يربطها بالهجرة، إلى تكوين انطباع بأن جماعة معينة تمثل تهديدًا عامًا، حتى عندما لا تتوافر أدلة تسمح بهذا التعميم
وفي علم الاجتماع السياسي، يرتبط ذلك بمفهوم “الهلع الأخلاقي”، الذي يدرس كيفية تصوير سلوك أو فئة اجتماعية باعتبارها تهديدًا للنظام والقيم المشتركة. ولا يعني المفهوم أن المخاطر الأمنية وهمية، بل يدعو إلى التحقق من التناسب بين الوقائع وحجم التهديد المعلن
كل ذلك يمكن وضعه في سياق معركة انتخابات 2027 المقبلة، والصراع على تعريف الأزمة من الاحزاب اليساريو او اليمينيو او النقابات او السترات الصفراء. قد تسهم الأحداث العنيفة في جعل الأمن والهجرة أكثر حضورًا في الحملات الانتخابية، لكنها لا تحسم اتجاهات الناخبين. فهناك من قد يطالب بتشديد الإجراءات الأمنية، ومن قد يحمّل الحكومة مسؤولية تدهور الخدمات العامة، ومن يرى أن معالجة التفاوت الاجتماعي وتحسين فرص التعليم والعمل جزء من الحل
وبذلك، لا يدور الصراع الانتخابي حول الوقائع وحدها، بل حول تفسيرها: هل المشكلة في السياسات الأمنية؟ أم في إدارة الهجرة؟ أم في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟ أم في تفاعل مجموعة من هذه العوامل؟
إن الإجابة تتطلب بيانات موثوقة، ومقارنة بين الخطاب السياسي والوقائع، ودراسة أثر التغطية الإعلامية في مواقف الناخبين، بدلًا من افتراض أن أي طرف يمتلك تفسيرًا كاملًا للأزمة
إن أخطر ما قد ينتج عن أعمال الشغب ليس التخريب المادي وحده، بل احتمال تحولها إلى أداة لتعميم الاتهامات وإعادة رسم حدود الانتماء الوطني على أساس الأصل أو الخلفية العائلية
ومن حق المجتمع الفرنسي أن يناقش أمنه وسياساته المتعلقة بالهجرة والتجنيس، ومن حق الأحزاب أن تدافع عن برامجها. لكن المسؤولية السياسية والإعلامية تقتضي الفصل بين الجريمة الفردية والجماعة الاجتماعية، وبين الاستفادة الانتخابية من الأحداث والتورط في صنعها
فالمعركة الحقيقية ليست فقط على من يحكم فرنسا بعد انتخابات 2027، بل أيضًا على كيفية تعريف الأزمة الفرنسية: هل تُبنى السياسات على الأدلة والوقائع، أم على الخوف والتعميم؟
